طارق ايوب.. الذكريات نسائم الخلان
كتبهامحمد النجار ، في 6 نيسان 2007 الساعة: 01:25 ص

بقلم محمد النجار..
هذه كلمات كتبتها في الذكرى الرابعة لاستشهاد الصديق والاخ طارق ايوب، والتي تصادف التاسع من نيسان من كل عام…
الذكريات نسائم الخلان..
محفورة في القلب والوجدان..
لا لن نودعكم أيا أحبابنا..
لكن نقول إلى لقاء ثاني..
ما أجملها من لحظات تلك التي عشتها مع صديقي وأخي الحبيب طارق أيوب، رغم أنها سنوات، لكنني أراها اليوم لحظات كون الفقدان جعلني أحس بأن السنوات لم تكن سوى لحظات عابرة.في الذكرى الرابعة لاستشهاد طارق أيوب "أبو فاطمة" سأبتعد قليلا عما يعتصره قلبي من حزن بات مقيما بداخله على أخ لي لم تلده أمي، وسأذهب نحو قصتنا مع بعضنا وكيف تعارفنا.
كانت المعرفة الأولى بالمصافحة والسلام من نهاية عام 1999، كنت أنظر لجرأة ذلك الشاب، وكيف يقتحم أسوار الرتابة التي لا يتقن الكثير من الإعلاميين غيرها بأسئلة صارخة في المؤتمرات الصحفية، أو بتغطيات غير معهودة في الجوردن تايمز.
اكتشفت –بعد أن توثقت العلاقة بيننا- أنه كان يبادلني نفس الشعور، حيث كان يعجبه في نفس الأمر، إذن ما كان يجمعنا هو المشاغبة، وأنا أقر أن مستوى مشاغبته تفوقني بأضعاف، ومشاغبته كانت محط ملاحظات كل من عملوا معه أو حوله، في الجوردان تايمز، والرأي عموما، والـ APTN ومن ثم الجزيرة.
بداية المعرفة الوثيقة وطريق الصداقة بيننا كان في مطلع صيف عام 2000 على بوابة محكمة أمن الدولة.. (تخيلوا أين كان لقائنا وتعارفنا بشكل جيد !!) حيث كنا نرغب بتغطية الجلسة الأولى لمحاكمة المتهمين بما عرف بقضية "تفجيرات الألفية".الجامع بيننا أن العسكر على بوابة المحكمة منعوا دخول غير صحفيي الـ (VIP) وهؤلاء هم مجموعة من الصحفيين من الصحف اليومية ووكالة الأنباء الرسمية يدخلون دائما فيما يمنع الآخرون..، يومها كان صوتي يعلو بالنقاش مع العسكري المسؤول وهو يقول لي "أنا عبد مأمور"، فتدخل طارق من الخلف ودون سابق إنذار وقال للعسكري: "يا أخي مشان الله خلي اللي أعطاك الأوامر يتكرم علينا ونشوفه ونعرف ليش إحنا ممنوعين"، فرفض العسكري ذلك لعدم وجود أوامر لديه لمناداة المسؤول عنه (!!).
كنا نقدر وضع العسكري طبعا، ولكن وبعد طول نقاش حضر إلينا ضابط كان عابسا، فناقشناه في مسألة منعنا من الدخول فقال أنه سيرى الأمر ويعود، ودخل للمحكمة ليخرج بعد قليل ليقول للعسكري "فتشهم وخليهم يفوتوا"، دخلنا وحضرنا الجلسة وبعد خروجنا تبادلنا الحديث وتبادلنا أرقام الهواتف الخلوية.. وهنا بدأت علاقة جميلة بكل ما تعطيه من معنى..
لا أدري لليوم ما هو الحبل السري الذي جعل علاقتي بذلك الرجل تتوثق بل وتحرق المراحل لنصبح بعد أشهر معدودة لا يستغني أحدنا عن الآخر..، لدرجة أن زوجتي كانت تصف طارق "بضرتها"، واكتشفت لاحقا أن شعورا مقاربا كان لدى زوجة أخي "أم فاطمة"، فكنا كل يوم نقضي نصف ساعة على الأقل ليلا نتحادث على الهاتف فيما يجري بيننا، وكنا متفقين على أن نسمي هذا الاتصال بـ"حصاد اليوم".
كان طارق لا يذهب لتغطية فريدة من نوعها أو بها مخاطر إلا ويدعوني لها، والعكس بالعكس، رغم أن مغامراتي لا تعد أمام مغامراته.. ويا لها من مغامرات.أذكر تغطيتنا معا لأحداث معان ومقابلتي مع المتهم الأول فيها "والمحكوم بالإعدام الآن" محمد الشلبي "أبو سياف"، ويوم المقابلة حيث كان أبو سياف مطلوبا للأمن كان طارق يتندر على ما سيحل بي حال نشر المقابلة، ولكن المقابلة نشرت دون أي مساءلة فأنا لم أرتكب جرما فقد قابلت مطلوبا للأمن في بيته وليس في جبال تورا بورا..
كما أذكر قبلها يوم أحداث 11/ سبتمبر عندما جلسنا سويا في الجوردن تايمز نتابع توالي الأحداث من ارتطام الطائرة الأولى بمبنى التجارة العالمي، إلى إنهيار البرجين..، وأذكر قبلها تغطيتنا للمسيرات المؤيدة للانتفاضة في عام 2000، وكيف كان يتندر بالقول لي: مشينا مسيرات أكثر من أهل فلسطين، بالاشارة لكثرة المسيرات التي كانت تخرج بالأردن تضامنا مع انتفاضة الأقصى..
من الذكريات المضحكة، أن طارق وقبل زواجي بشهر سألني عن ترتيبات الزواج، فأبلغته أن أبي وعمي قدما لي "عجلين" كهدية، وبعد أن أطلق عشرات النكات ومنها قوله "ليش يجيبوا عجول وانت موجود ميذبحوك أحسن (!!)"، طلب مني أن يذهب لتصوير مكان وجود العجلين ومن ثم تصوير العرس كونه يريد عمل تقرير اقتصادي عن تكاليف الزواج بالأردن، فوافقت وذهبنا بعد ترتيب الأمر "للزريبة" التي يضع الجزار فيها العجلين وعند وصولنا أخرج طارق من جيبه "علبة رش" كالتي تستخدم في الكتابة على الجدران، وتوجه نحو العجلين فكتب على الأول: "نجار 1"، وعلى الثاني "نجار 2".. ثم طلب من المصور المرافق تصويرهما وهو لا يكف عن الضحك..
القصة تواصلت ليوم العرس (10/8/2001) حيث كان عدد المدعوين على وليمة الغداء نحو (800) شخص، فقام طارق أمامهم ونادى علي أمام الناس وقال: "محمد النجار.. هذا اللحم اللي أمامي من عجل نجار 1 وإلا نجار 2"، فضحك الناس وتندروا بما شاءوا..
رغم بؤس الأوضاع السياسية التي تحيط بنا من كل جانب، كانت الابتسامة لا تفارق محيا طارق، كانت الأوضاع تلك تسيطر على كل تفاصيل حياته، أذكر كيف كان يجتهد لجمع التبرعات لطالبات وطلبة فلسطينيين انقطعت بهم السبل مع اندلاع شرارة الانتفاضة، وكيف كان يخصص من دخله مبلغا دائما لذات الأمر.. وكيف رفض في إحدى المرات أن يجمع لإحدى الطالبات كونها ابنة وشقيقة شهيد، وأصر على أن يدفع هو كل تكاليف دراستها مهما بلغت…
أذكر كيف كان يخلط بين عمله الصحفي وكل تفاصيل حياته، فهو اختار زوجته "الدكتورة ديمة طهبوب" بعد مقابلة صحفية على هامش اعتصام تضامني مع النائبة التركية مروة قاوقجي ومسلمات تركيا ابان الحرب على الحجاب ضدهن..
اذكر عندما كنت أحثه على أن يمتلك بيتا له ولعائلته والتوقف عن استئجار مسكنه، كان يقول لي: "حلمي أن أشتري بيتا لأهلي"..، وكيف كانت الدنيا لا تأخذنا عن تذكير بعضنا بالصلاة في المسجد.. ويشهد مسجد أبو قورة على خطواته نحوه..
أذكر شعوره بالألم للاستهداف الذي تعرض له من قبل بعض القائمين على جريدة الجوردن تايمز، وكيف نقلوه من السياسة للاقتصاد وأخيرا الرياضة.. وكيف أبدع في كافة القطاعات التي غطاها.. فكان حديث من حوله..أذكر وأذكر.. الكثير الكثير، ولكن لا أنسى أن أخط هنا حديثه معي في المدينة المنورة ومكة المكرمة خلال موسم الحج عام 2003، وقبل شهرين فقط من استشهاده، حيث كان يسر لي كم هو مرتاح بتأديته للحج، واذكر ما قاله لي في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعد الحج لا اتمنى من الله الا أن يرزقني الشهادة"..
وفي نفس موسم الحج خرجنا يوما بعد صلاة العصر من المسجد النبوي وتجولنا في بعض مناطق المدينة القديمة.. فدعانا شخص هندي كان يقف على بوابة دكان لشراء الشاي منه، فذهب طارق وأخذ يتبادل النكات معه كونه درس في الهند، وعندما أعطانا كأسين من الشاي رفض ذلك الهندي بشدة أخذ الثمن، فدخل طارق على الدكان واشترى حبتي "سنكرز" ودفع للرجل مبلغا وفيرا..، فسألته: كيف سنأكل السينكرز مع الشاي، فرد عمليا بعد أن غمس السنكرز بالشاي وأكله… فعلقت على ذلك بقولي له "صحيح انك هندي"، فرد: "مش كثير بتفرق عن بقعاوي" –نسبة الى مخيم البقعة الذي أعيش فيه-.
هي أيام وذكريات جميلة.. أبكي عليها من قلبي وكل جوارحي.. لأنه كان بالفعل الأخ الذي لم تلده أمي.. ، وكم كنت أتألم كلما نظرت لفاطمة الصغيرة التي لا تعرف أباها إلا بالصور.. لكنها اليوم تكبر ويكبر معها الحلم وهي تقول: فاطمة طارق أيوب.. الجزيرة.. عمان..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























أبريل 6th, 2007 at 6 أبريل 2007 11:45 ص
رحم الله طارق وادخله فسيح جناته وتقبل الله منا ومنك صالح الاعمال
أشكرك اخي محمد النجار
وتقبل تثقديري
أبريل 6th, 2007 at 6 أبريل 2007 5:54 م
رحم الله طارق ايوب رحمة واسعة, وأسأل الله تعالى ان يجمعنا به في جنة الخلد مع الحبيب المصطفى.
شكرا لك يا أستاذ محمد .
أبريل 7th, 2007 at 7 أبريل 2007 12:31 ص
ما أحلى العلاقات الإنسانية عندما يجمعها الحب في الله دونما مصالح دنيوية وحظوظ نفسية…
ذكريات جميلة أشعرتنا من خلالها بما تشعر به وأدمعت من مقالك العيون…
رحم الله الأخ طارق أيوب وتقبله شهيداً في سبيله.
ورزقك الله أخاً صادقاً صدوقاً كما تحب يعوِّضك عن صديقك الذي فقدت.
مع شكري وتقديري
أبريل 7th, 2007 at 7 أبريل 2007 1:54 م
رحم الله طارق الصديق الصدوق
وشكرا للاوفياء
أبريل 7th, 2007 at 7 أبريل 2007 11:29 م
قال الصالحون : حق أخيك في قلبك تجمعه كلمتان العفو و الوفاء:
أما العفو عن أخيك فلانك تعلم أن أخاك ليس معصوما عن الخطأ و إنما تكشفت لك أخطاؤه لقربه منك و طول معاشرتك له
و أما الوفاء فهو الثبات على حبه و إدامته الى الموت فإن الحب إنما يزداد للأخره فإن انقطع حبط العمل و ضاع السعي
ما أكثر الاخوان حين تعدهم و لكنهم في النائبات قليل
ابو مجاهد: كان طارق رحمه الله غنيا بك في حياته و لعله أغنى بدعائك و اخوتك الصادقه التي يعرف و نعرف في السر و العلن بعد مماته و بطفلك الصغير طارق أيوب الذي سميته باسم اخيك لعل الابوه تكون في يوما من الايام عوضا عن الاخوه التي فقدت
عن طارق و فاطمه و عنا جميعا جزاك الله خيرا ام فاطمه ايوب
مايو 2nd, 2007 at 2 مايو 2007 2:25 م
استاذي الفاضل بارك الله بك
وزرقنا وإياك شهادة كشهادة الحبيب طارق أيوب، الذي كانت شهادته الشارة الأولى التي حملتني إلى دخول عالم الصحافة المخيف والممتع في نفس الوقت.
لا تحزن يا أبا مجاهد فأنت قد حفظت الأمانة ولم تحد عن الدرب، وها أنت تربي شبابا حالمين يتلمسون خطا الحبيب طارق، وصحيفة السبيل التي احتضنتنا خير شاهد على ذلك
تلميذك الصحفي المشاكس تامر الصمادي
مايو 16th, 2007 at 16 مايو 2007 1:30 م
غريب يا سيد محمد أن تمارس السرقة الأدبية في مقام الرثاء وأي رثاء !!!!!!!!!!!رثاء طارق أيوب شهيد الكلمة الصادقة والحرة
كيف تكتب في أول السطور أن هذه الكلمات كتبتها وهي ليست كلماتك إنما هي مسروقة من شريط في القلب أنتم للمنشد حسام الأحمد
الغريب أنكم تسمون أنفسكم إسلاميين وما دمتم تستبيحون السرقة فسموا أنفسهم أي شي آخر ( لصوصيين / أفاقين ) وخلو الإسلام بحاله
مايو 16th, 2007 at 16 مايو 2007 5:49 م
شكرا يا سيد احمد على اتهاماتك.. ويبدو انك لا تقرأ كثيرا.. فالأدب والمقالة تحتمل الاقتباس والجيع يعلم انها ليس كلماتي ولكن سامحك الله واهلا بك
فبراير 13th, 2008 at 13 فبراير 2008 12:08 م
عسى الله ان يرزقنا امثال طارق ايوب
يوليو 4th, 2009 at 4 يوليو 2009 2:12 م
السلام عليكم
تحياتنا لك يا استاز محمد النجار وجزاك الله خير الجزاء
ورحم الله ابن العم الشهيد طارق ايوب واسكنه فسيح جناته